يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
410
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
رأسه ، وفيه نفس يتردد ، وقد كان أشرف على التلف ، ولم يبق فيه إلا حشاشة نفسه ، فتنفس ووصل إليه الروح ، فبينما هو كذلك إذ مر أناس ، فأنكروا مكان الكلب ورأوه كأنه يحفر قبرا ، فأتوا إليه فنظروا فإذا الرجل في تلك الحال ، فاستخرجوه حيا وحملوه حتى أدّوه إلى أهله ، فزعم أبو عبيدة أن ذلك الموضع يدعى ببئر الكلب . وحكى صاحب الكتاب عن أبي بكر بن بكر الجوهري قال : حدّثني جعفر بن الوليد الأنماطي قال : كان لي صديق من التجار ، فخرج في بعض تجاراته بمتاع ، فقطع عليه الطريق فرجع عاريا ، فسرت أتوجع إليه وأهنيه بسلامة نفسه ، فقال لي : ما ربحت في خرجتي هذه من جميع ما كان معي غير هذا الكلب ، فسألته عن قصته وعن خبر الكلب ، فقال : جلست في المنزل الفلاني أتغذى فمثل لي هذا الكلب ، فألقيت له شيئا من الطعام ، فأكله ، وارتحنا فتبعنا ، فجعلنا كلما أكلنا أطعمناه ، ولزمنا إلى أن قطع علينا ، واتبعني فإني لجالس في منزلي وهو رابض بباب الدار ، إذ دق الباب قوم ، فقمت إليهم وقلت لهم : ما شأنكم ؟ قالوا : كلبك هذا قد هرّ على رجل مارّ بالطريق ، ومنعه من طريقه ، وما ينبغي أن تلزمه بابك ، فقلت : ما عهدته بهذه الصورة وخرجت أنظر إلى الرجل ووثوب الكلب عليه ، فإذا الرجل أحد من قطع علينا ، فقبضت عليه وسرت به إلى السلطان ، فرجع إليّ كثير مما أخذ مني ومن الناس . وحدّث أيضا عن رجل آخر عدي عليه في الطريق وكتف وجمعت يداه ورجلاه بقيد ورمي به في واد ، قال : وأخذ كل ما كان معي ، قال : فيئست من نفسي ، وكان معي كلب خرجت به من عند أهلي ، قال : فتركني الكلب ومضى ثم جاءني برغيف وطرحه بين يديّ ، فأكلته ، ولم يزل الكلب يعوي حتى أصبحت ، وحملتني عيني فنمت ، وفقدت الكلب فما كان بأسرع من أن وافاني برغيف آخر ، فأكلته وفعلت فعلي في اليوم الأول ، فلما كان في اليوم الثالث غاب عني ، فلم ألبث أن جاء ومعه الرغيف فرمى به إليّ ، ولم يزل بحذائي رابضا وأنا أنيله من ذلك الرغيف ، فما استوفيت أكله حتى طلع عليّ أبي ، فلما نظر إليّ بكى وحل كتافي وأخرجني وحملني ، فقلت له : من أين علمت بمكاني ؟ ومن دلّك عليّ ؟ فقال : كان الكلب يأتينا في كل يوم فنطرح إليه الرغيف فلا يأكله ، وقد كان معك فأنكرنا رجوعه ولست أنت معه ، وكان يحمل الرغيف في فيه ولا يذوقه ، ويخرج يعدو ويلزم المحجة ، فلما رأيناه أنكرنا ذلك من فعله ، فتبعته حتى وقعت عليك ، فكان الرجل بعد ذلك يقرّب هذا الكلب ، ويجلسه إلى جنبه ، ويغطيه بثوبه ، ويدخل بدخوله ويخرج بخروجه ، ويقول : هذا الذي خلصني بقدرة اللّه عز وجل . وهذا الكتاب ألفه أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان ، ويرويه عنه أبو عمر